أحمد بن محمد القسطلاني
13
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بن زيد رواه عن عمرو مرسلاً بدون ابن عباس ، لكن قد تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره . ويكون في المتن كزيادة يوم عرفة في حديث " أيام التشريق أيام أكل وشرب " فإن الحديث من جميع طرقه بدونها ، وإنما جاء بها موسى بن علي ( بالتصغير ) ابن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر ، كما أشار إليه ابن عبد البر . على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابنا خزيمة وحبان والحاكم ، وقال على شرط مسلم ، وقال الترمذي حسن صحيح . وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة . والمنكر الذي لا يعرف متنه من غير جهة راويه فلا متابع له ولا شاهد ، قاله البرديجي . والصواب التفصيل الذي ذكره ابن الصلاح في الشاذ ، فمثال ما انفرد به ثقة يحمل تفرّده حديث مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما رفعه " لا يرث المسلم الكافر " فإن مالكًا خالف في تسمية راويه عمر بضم العين ، غيره ، حيث هو عندهم عمرو بفتحها . وقطع مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه . ومثال ما انفرد به ثقة لا يحمل تفرده حديث أبي ذكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا : كلوا البلح بالتمر . الحديث تفرد به أبو ذكير وهو شيخ صالح أخرج له مسلم في صحيحه ، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحمل تفرده ، وقد ضعفه ابن معين وابن حبان ، وقال ابن عدي أحاديثه مستقيمة سوى أربعة عدّ منها هذا . والمضطرب ما روي على أوجه مختلفة متدافعة على التساوي في الاختلاف من راوٍ واحد ، بأن رواه مرة على وجه وأخرى على آخر مخالف له ، أو رواه أكثر بأن يضطرب فيه راويان فأكثر ، ويكون في سند رواته ثقات ، كحديثًا " شيبتني هود وأخواتها " ، فإنه اختلف فيه على أبي إسحق ، فقيل عنه عن عكرمة عن أبي بكر ، ومنهم من زاد بينهما ابن عباس ، وقيل عنه عن أبي جحيفة عن أبي بكر ، وقيل عنه عن البراء عن أبي بكر ، وقيل عنه عن أبي ميسرة عن أبي بكر ، وقيل عنه عن مسروق عن عائشة عن أبي بكر ، وقيل عنه عن علقمة عن أبي بكر ، وقيل عنه عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر ، وقيل عنه عن عامر بن سعد عن أبيه عن أبي بكر ، وقيل عنه عن مصعب بن سعد عن أبيه عن أبي بكر ، وقيل عنه عن أبي الأحوص عن ابن مسعود . وقد يكون الاضطراب في المتن ، وقل أن يوجد مثال سالم له كحديث نفي البسملة ، حيث زال الاضطراب عنه بحمل نفي القراءة على نفي السماع ، ونفي السماع على نفي الجهر كما قرر في موضعه من المطوّلات . ثم إن الاضطراب سواء كان في السند أو في المتن موجب للضعف لإشعاره بعدم ضبط الراوي . والموضوع هو الكذب على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ويسمى المختلق الموضوع ، وتحرم روايته مع العلم به إلا مبينًا ، والعمل به مطلقًا وسببه نسيان أو افتراء أو نحوهما ، ويعرف بإقرار واضعه أو قرينة في الراوي والروي ، فقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها . وروينا عن الربيع بن خيثم التابعي الجليل أنه قال إن للحديث ضوءًا كضوء النهار يعرف ، وظلمة كظلمة الليل تنكر . والمقلوب كحديث متنه مشهور براو كسالم أبدل بواحد من الرواة نظيره في الطبقة كنافع ليرغب فيه لغرابته ، أو قلب سند لمتن آخر مروي بسند آخر بقصد امتحان حفظ المحدث ، كقلب أهل بغداد على البخاري رحمه الله تعالى مائة حديث امتحانًا ، فردّها على وجوهها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته . والمركب كإبدال نحو سالم بنافع كما مر ، أو الذي ركب إسناده لمتن آخر ومتنه لإسناد متن آخر . والمنقلب الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه ، كحديث البخاري في باب أن رحمة الله قريب من المحسنين عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه ، " اختصمت الجنة والنار إلى ربّهما " الحديث . وفيه أنه ينشئ للنار خلقًا صوابه كما رواه في موضع آخر من طريق عبد الرزاق عن همام عن أبي هريرة بلفظ ، فأما الجنة فينشىء الله لها خلقًا ، فسبق لفظ الراوي من الجنة إلى النار ، وصار منقلبًا . ولذا جزم ابن القيم بأنه غلط ، ومال إليه البلقيني حيث أنكر هذه الرواية ، واحتج بقوله ولا يظلم ربك أحدًا . والمدبج